فخر الدين الرازي

66

تفسير الرازي

المسألة الأولى : في النقع قولان : أحدهما : أنا هو الغبار وقيل : إنه مأخوذ من نقع الصوت إذا ارتفع ، فالغبار يسمى نقعاً لارتفاعه ، وقيل : هو من النقع في الماء ، فكأن صاحب الغبار غاص فيه ، كما يغوص الرجل في الماء والثاني : النقع الصباح من قوله عليه الصلاة والسلام : " ما لم يكن نقع ولا لقلقة " أي فهيجن في المغار عليهم صياح النوائح ، وارتفعت أصواتهن ، ويقال : ثار الغبار والدخان ، أي ارتفع وثار القطا عن مفحصه ، وأثرن الغبار أي هيجنه ، والمعنى أن الخيل أثرن الغبار لشدة العدو في الموضع الذي أغرن فيه . المسألة الثانية : الضمير في قوله : به إلى ماذا يعود ؟ فيه وجوه أحدها : وهو قول الفراء أنه عائد إلى المكان الذي انتهى إليه ، والموضع الذي تقع فيه الإغارة ، لأن في قوله : * ( فالمغيرات صبحاً ) * دليلاً على أن الإغارة لا بد لها من وضع ، وإذا علم المعنى جاز أن يكنى عما لم يجز ذكره بالتصريح كقوله : * ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) * وثانيها : إنه عائد إلى ذلك الزمان الذي وقعت فيه الإغارة ، أي فأثرن في ذلك الوقت نقعاً وثالثها : وهو قول الكسائي أنه عائد إلى العدو ، أي فأثرن بالعدو نقعاً ، وقد تقدم ذكر العدو في قوله : * ( والعاديات ) * . المسألة الثالثة : فإن قيل : على أي شيء عطف قوله : * ( فأثرن ) * قلنا : على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه ، والتقدير واللائي عدون فأورين ، وأغرن فأثرن . المسألة الرابعة : قرأ أبو حياة : * ( فأثرن ) * بالتشديد بمعنى فأظهرن به غباراً ، لأن التأثير فيه معنى الإظهار ، أو قلب ثورن إلى وثرن وقلب الواو همزة . * ( فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ) * . أما قوله تعالى : * ( فوسطن به جمعاً ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الليث : وسطت النهر والمفازة أوسطها وسطاً وسطة ، أي صرت في وسطها ، وكذلك وسطتها وتوسطتها ، ونحو هذا ، قال الفراء : والضمير في قوله : * ( به ) * إلى ماذا يرجع فيه وجوه أحدها : قال مقاتل : أي بالعدو ، وذلك أن العاديات تدل على العدو ، فجازت الكناية عنه ، وقوله : * ( جمعاً ) * يعني جمع العدو ، والمعنى صرن بعدوهن وسط جمع العدو ، ومن حمل الآيات على الإبل ، قال : يعني جمع مني وثانيها : أن الضمير عائد إلى النقع أي : * ( وسطن ) * بالنقع الجمع وثالثها : المراد أن العاديات وسطن ملبساً بالنقع جمعاً من جموع الأعداء . المسألة الثانية : قرىء : * ( فوسطن ) * بالتشديد للتعدية ، والباء مزيدة للتوكيد كقوله : * ( وأتوا به ) * وهي مبالغة في وسطن ، واعلم أن الناس أكثروا في صفة الفرس ، وهذا القدر الذي ذكره الله أحسن ، وقال عليه الصلاة والسلام : " الخيل معقود بنواصيها الخير " ، وقال أيضاً : " ظهرها حرز